السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
500
مفاتيح الأصول
بالاستصحاب إليه والعامل بالشهرة إليها والعامل بالخبر الضعيف إليه ولا بعد في موافقة هذه الأدلة في بعض المسائل فيكون حكمهم ناشئا عن أدلَّة غير معتبرة وإذا كان مجرّد احتمال استنادهم إلى الأدلة غير المعتبرة قادحا في دلالة الشهرة على تحقق دليل معتبر فلئن يكون استنادهم إلى أدلة غير معتبرة صريحا قادحا بطريق أولى وبالجملة إن الشهرة إنما تفيد الظنّ بتحقق دليل معتبر على ما أفتوا به إذا علم منهم أنّهم لا يعتمدون إلا على الأدلَّة المعتبرة وأمّا مع عدم العلم بذلك فلا يحصل منها الظنّ سلَّمنا أن الشّهرة تفيد الظنّ بذلك ولكن نقول كما يحصل منها الظنّ بذلك كذلك يحصل من عدم الاطلاع على الدّليل بعد الفحص التام الظنّ بعدمه وليس المدارك ممّا لا يحصى عددا حتّى يقال إنه لا يمكن تحصيل الظنّ بالعدم لأن المدارك في الأحكام الشّرعية غالبا الكتاب والسّنة والإجماع ودليل العقل وإذا لم نجد منها شيئا يقتضي ما ذكروه غلب على ظنه عدمه سلَّمنا لكن نقول لعلّ ذلك الدّليل نحو أصل البراءة والاستصحاب اللَّذين لا يحصل منهما الظن بالواقع فلا يمكن جعل الشّهرة دليلا على الحكم الواقعي كخبر الواحد خصوصا إذا كان فتواهم بالإباحة والبراءة وفيه نظر والإنصاف أن منع حصول الظن القوي من الشهرة غالبا بعيد في الغاية نعم قد يتفق عدم حصول الظن منه باعتبار معارضة أمر خارجي ولكن ليس الكلام فيه بل فيما يفيد الظَّن ولا ينبغي إنكاره ولا يبعد دعوى إلحاق ما لا يفيده به باعتبار عدم القول بالفصل فتأمل هذا وقد صرّح بأن الشّهرة تفيد الظنّ المحقق الخوانساري في المشارق فقال لا شكّ أن حكما من الأحكام إذا لم يظهر به قائل من أصحابنا الإمامية وكان أقوالهم مطابقة على خلافهم فحينئذ يحصل الظَّنّ القويّ بأنهم أخذوا خلافه من الإمام عليه السلام بعنوان لم يبق فيه ريب ولا خلاف إذ العادة لم تجر بأن ما لا يكون كذلك لم يقع فيه خلاف بينهم مع كثرتهم ومخالفة أذهانهم في إدراك الأمور واستنباط الفروع ومباينة مشربهم في تأسيس المباني والأصول سيّما إذا وجدت الرّوايات المتعارضة عن الأئمة في طرفي المسألة إذ على هذا يصير الظن أقوى لما يرى من عادتهم ويشاهد من دينهم أنه قلما يكون أن يكون رواية في حكم ولم يوجد به قائل من أصحابنا وسيّما إذا كانت الرّوايات الدّالَّة على ما أجمعوا عليه ضعيفة شاذة نادرة وإذا لم يوجد عليه رواية فبطريق أولى واحتمال أن يكون مخالف من الأصحاب المتقدّمين ولم يصل خلافه إلى مدّعي الإجماع ضعيف بعيد أيضا جدا لما يرى من شدّة اجتهادهم في تتبع الأقاويل وتفحّص المذاهب حتى أنا نراهم في المسائل النادرة وقد تتبعوا الأقاويل ونقلوا خلافا نادرا من الأصحاب إن كان بل بعضهم قد آل جهدا في تتبع أقوال العامة أيضا بحيث لم يفت منه شيء إلا ما شذّ وندر فكيف ظنك بأقوال الخاصة بالمسائل المتعارفة الَّتي يعم بها البلوى وبالجملة في مثل هذا المقام إن لم يحصل القطع بالحكم بعد ملاحظة ما ذكرنا فلا كلام في حصول الظَّنّ القوي وإنكاره مكابرة ومثل هذا الظنّ لا يقصر عن الظن الَّذي يحصل من خبر الواحد بل يكون في أكثر المواضع أقوى منه وأشدّ فحينئذ إن لم يكن على خلاف ما ادعوه من الإجماع خبر صحيح معتمد عليه فلا إشكال وإن كان فإن لم نقل برجحان الإجماع عليه فلا أقل من التّساوي إذ أدلة حجيّة خبر الواحد أيضا على تقدير تماميتها ليست بحيث توجب مع معارضة هذا الظن القويّ له لا سيّما مع تأييده بما ورد في الرّوايات من أنه خذ بالمجمع عليه بين أصحابك واترك الشّاذ النادر لشموله لما نحن فيه ظاهرا فيحكم بالتساقط ويرجع إلى ما اقتضاه أصل أو دليل آخر ولا يخفى أنه حينئذ إذا ظهر خلافه من واحد من أصحابنا المتأخّرين أو جمع منهم أيضا فالظاهر أنه لا اعتداد به ووجهه بعد تأمّل ما ذكرنا ظاهر لا يحتاج إلى البيان وأمّا إذا لم يكن كذلك بل ادعى بعض الأصحاب إجماعا على حكم وادعى بعضهم الإجماع على خلافه من المتقدّمين ونقل مدعي الإجماع نفيه خلافا منهم أو لم يدع أحد خلافا لكن رأينا في كلام القدماء أو ظهر لنا بدليل أنهم خالفوا فيه فحينئذ لا سبيل إلى حجّيته ولا وجه للتّعويل عليه نعم إذا ثبت أنه كان مشهورا بين قدماء بحيث كان مخالفه شاذا نادرا فلا يبعد حينئذ جعله من مرجحات الدّليل ومؤيّدات المدلول باعتبار الرّواية الَّتي نقلنا وباعتبار أن الظَّنّ يذهب غالبا إلى أنه في مثل هذه المواضع وقوع الخطاء من القليل أكثر منه من الكثير وأما جعله حجّة برأسها وأخذه دليلا بانفراده فلا انتهى وقد صرّح أيضا بأنّ الشّهرة تفيد الظنّ جدي الصّالح وجدي الآخر ووالدي العلَّامة واحتج الأوّل على ذلك بأنّ الظاهر أن توافق جمع من العلماء العظام على الخطاء بعيد فيحصل الظَّنّ بأنّ مستندهم صحيح واحتج الثالث بأنّ الأكثر مع نهاية عدالتهم وفقاهتهم واختلاف آرائهم وعدم موافقة بعضهم مع بعض في كثير من الأدلَّة الاجتهادية والمسائل الخلافيّة حتّى أن بعضهم ربّما خالف نفسه في مواقع عديدة وأقواله متخالفة متصاعدة حتى بلغت إلى أربعة إذا رأيناهم توافقوا في مسألة واتفقوا على الحكم من دون تزلزل ولا شبهة استبعدنا وقوع الخلل والخطاء في دليلهم ومنهم يلزم الظنّ القويّ غاية القوّة بصحّته ثم إن هؤلاء أجابوا عمّا أورد على دعوى إفادة الشهرة الظن من أن كلّ من نشأ بعد الشيخ قلَّده لحسن ظنهم به أمّا الأوّل فقال نسبة التقليد إلى الفقهاء والمجتهدين مع تصريحهم بأنّه لا يجوز ذلك بعيد جدّا إلا أن يقولوا بنفي الاجتهاد عنهم وهو أعرف بما قال وأمّا الثّاني فقال هذه الدّعوى في غاية الغرابة لأن